حسن الأمين
118
مستدركات أعيان الشيعة
بالحجج و « الدوامغ الشعرية » . وما كان للهمداني أن يسكت أو يظل محايدا ، وأنا له ذلك وهو يعتبر نفسه بل ويعتبره الآخرون « لسان اليمن » ! وليس ذلك فحسب بل وقد نالت ألسنة الشعراء من قومه ، وربما أن بعض حاسديه ومنافسيه قد نالوا منه شخصيا ونبزوه بألقاب « الجمال » و « الحائك » و « ابن ! ؟ الدمينة » فما كان منه إلا أن نضا شبا اليراع ، وجرد سيف لسانه الصقيل وخاض المعركة البيانية شعرا ونثرا وكان لهم الصاع صاعين ، ولعل بعض شعراء « اليرسميين » و « الهشميين » و « العدويين » و « التميميين » قد لفقوا ضده ما أوغر قلب « الإمام الناصر » الذي كان قد أرهقته الحروب مع « القرامطة » و « اليعافرة » والموالي والمشايخ ، وغيرهم ، وضاق ذرعا بالجدل البيزنطي « السخيف بين الشعراء حول من هو الإكرام أعرب » قحطان « أو عرب » عدنان « ؟ وكان مثقل الصدر بهموم » الإمامة الزيدية « ومصيرها ، ويخشى على » اليمن « من التمزق والضياع ، والفتن والأطماع تتربص بها الدوائر ، وربما أنه قد خشي أيضا أن يكون بين هؤلاء الشعراء المتفاخرين » بقحطان « و » عدنان « و » مذحج « و » جرهم « من غرضه الفتنة والمكر ، وهدفه تمزيق العرب والمسلمين ولذلك فقد انفعل » الناصر « وأمر بوقف تلك المفاخرات والمشاحنات العرقية والعصبية ، والتي تجانف روح الدين الحنيف ، بل وأمر بسجن بعض الشعراء ومنهم » الهمداني « في يوم الثلاثاء 11 / رجب سنة ( 315 ه ) ولكنه سرعان ما أفرج عنه ، ولم يمكث في السجن غير عشرة أيام ، ( 1 ) وربما أن الناصر قد توعده ، لو عاد إلى إثارة المعارك اللسانية بين » قحطان « و » عدنان « وربما أنه قد تخوف على مستقبله وليس من شراسة خصومه السياسيين ومنافسيه من الأدباء والعلماء بل ومما قد تتعرض له صعدة بعد موت » الناصر « ، وهو يرى الأطماع ، والأهواء والخلافات والتعصبات تتربص . بل وتعمل لمصير مرعب مجهول . ولذلك قرر النزوح إلى » صنعاء « مسقط رأسه وكان يحكمها - واليا من قبل السلطان أسعد بن أبي يعفر - ابن أخيه أبو الفتوح الخطاب اليعفري ، وظن الهمداني أنه سينعم عند » آل يعفر « الحواليين ، الحميريين بالجاه والحماية لأنهم من قحطان والهمداني لسانها ، وما لجا من صعدة إليهم إلا بعد الملاحاة العنيفة ، وتحت وعيد الناصر بالعقاب إذا ما عاد إلى إثارة تلك المشاحنات السلالية ، والمفاخرات التي ضمنها قصيدته » الدامغة « ولكنه ما إن وصل صنعاء حتى اشتغل خلال العامين ( 316 و 317 ه ) بشرح قصيدته الدامغة في كتاب حافل بشتى فضائل قحطان . غير هياب ولا وجل لأنه في حمى سلطان حميري قحطاني . 9 - لكن سرعان ما خاب أمل الهمداني في آل يعفر الحواليين وكان معهم كالمستجير من الرمضاء بالنار ، إذ كان يظن أنه بنجاته من « صعدة » حيث الشعراء والعلماء والفقهاء الذين يتعصبون لعدنان والتحاقه بصنعاء حيث الحاكم فيها « تبعي » « قحطاني » سيبعده عن أي احتمال لمكروه يحل به ، أو شر يراد له ، غير أن الذي حدث كان عكس ما ظن وتصور ، فقد أمر السلطان أسعد بن أبي يعفر ابن أخيه أميره على صنعاء في يوم الاثنين 24 / شوال سنة ( 319 ه ) بإلقاء القبض على الهمداني وتكبيله بالقيود والزج به في أعماق سجن رهيب ، وقد وصف الهمداني سجنه في المقالة العاشرة من « سرائر الحكمة » فقال أن السلطان غضب عليه في صنعاء في التاريخ المذكور آنفا وأنه « كثرت المطالبة من الأشراف وذوي النجدة ، بالحسنى وبالشدة ، لإخراجه من السجن فكان أن سمح له في ابتناء مسكن يتسع فيه ، وفسح له في زيارة الإخوان ، وقضاء الحوائج وذلك بعد مضي سبعة أشهر وأربعة أيام - أي أنه ظل تلك الفترة في سجن انفرادي » - قال : « ثم أطلق من القيد الخفيف بعد أربعة وعشرين يوما ونقل من السجن العظيم إلى ما هو في عداد المنزل » ثم بدا للسلطان « الحوالي » ما بدا فعاد إلى التشديد عليه والتنكيل به قال الهمداني : « ثم تبدلت به الحال الرضية إلى حال ضيق ، فنقل من بلد إلى بلد وطيف به مصفدا إلى مواضع غربة ، فلقي من ذلك الأمرين ، وكان ذلك بعد ستة عشر شهرا وثمانية عشر يوما من مدخله السجن ، ثم أدخل عليه بعض الراحة بعد سبعة عشر شهرا وثمانية عشر يوما ، واحترك في الطلب فيه العظماء من الناس فنفذت فيه الشفاعة وأذن باطلاقه وأخرج » ، « ثم رد إلى السجن ثانية ، ثم أطلق من » الموضع « وبعث به مغربا مع حفظة أينما وصلوا من قرية سجنوه فأقام على ذلك ثمانية أيام ، ثم فلت من النهج الذي قصد له به ، وملك نفسه ( كأنه يعني أنه تمكن من الفرار من الحفظة الذي يطوفون به مكبلا في مملكة الحوالي ) وذلك بعد ستمائة و 22 يوما تكون شهورا تامة - 21 شهرا و 19 - يوما » قال : « ثم كان وقوعه في مأمنه وخلوده للراحة بعد فلتة شهرين ويومين » ، أمضاها في تشرد وتخفي وخوف . ( 2 ) وإشارة الهمداني إلى فراره من السجن تفسر بعض الروايات القائلة بان سلطان « زبيد » قد ساعده على الخلاص من ذلك السجن والتنكيل ! . وبمتابعة قيودات الهمداني التاريخية نعرف أنه قد فلت من سجن « اليعافرة » في أواخر شعبان سنة ( 321 ، 934 ه ) ولكنه ظل هاربا خائفا يترقب حتى شهر ذي القعدة عام ( 321 ه ) ولجا إلى مأمنه في « ريدة » جوار سيد « حاشد » يومها أبو جعفر أحمد بن الضحاك . ولا تفسير يعقل لما ذا لم يهبط على السلطان ابن زياد في « زبيد » إذا كان حقا قد ساعده على الفرار من سجن اليعفري إلا إذا كان قد أدرك أن « آل زياد » على وشك الاضمحلال والاستسلام لمواليهم من الأحباش وهو ما لا تطيقه نفسية « الهمداني » . شهادة « قصيدة الجار » تلك هي فقرأت عمود حياة « الهمداني » وسيرته منذ طفولته وحتى بلغ قمة هرم الحياة ، وجاوز الأربعين ، وخلد إلى كتابة « الإكليل » في أسفاره العشرة ومؤلفه الذي لم يصل إلينا كاملا أيضا « صفة جزيرة العرب » ، وفي جوار ابن الضحاك « بريدة » . وبهذا نعرف أن الهمداني قد سجن مرتين الأولى في « صعدة » ولم يمكث فيه غير عشرة أيام ، والسجن الرهيب الثاني مع التنكيل كان في « صنعاء » على يد السلطان أسعد بن أبي يعفر ، وتتلاشى التخرصات والدعاوي التي تريد أن تلقي تبعة ما قاساه وعاناه في ذلك السجن على الامام الناصر بن الهادي . ( 3 ) وأما ما ورد في الجزء الأول من « الإكليل » مما يوحي أن الهمداني نفسه
--> ( 1 ) لقائل أن يقول أن سجنه كان لعدم إقراره الإمامة المتمثلة بالناصر ( ح ) . ( 2 ) كل هذا يدل على أن اضطهاده سواء كان على يد الناصر أو يد أسعد بن أبي يعفر إنما كان لتشيع بعيد الغور أبعد مما يراه الكاتب ( ح ) . ( 3 ) لا يبلغ ما يقوله الكاتب حد اليقين ( ح ) .